فخر الدين الرازي
191
تفسير الرازي
ونحن نقول : هذه الآية دالة على أن الايمان حصل بتخليق الله تعالى ، والقوم لا يقولون به فصاروا محجوجين بالآية . إنما قلنا : إن الآية دالة على ذلك لأن الايمان حسنة ، وكل حسنة فمن الله . إنما قلنا : إن الايمان حسنة ، لأن الحسنة هي الغبطة الخالية عن جميع جهات القبح ، ولا شك أن الايمان كذلك ، فوجب أن يكون حسنة لأنهم اتفقوا على أن قوله : * ( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله ) * ( فصلت : 33 ) المراد به كلمة الشهادة ، وقيل في قوله : * ( إن الله يأمر بالعدل والاحسان ) * ( النحل : 90 ) قيل : هو لا إله إلا الله ، فثبت أن الايمان حسنة ، وإنما قلنا إن كل حسنة من الله لقوله تعالى : * ( ما أصابك من حسنة فمن الله ) * ( النساء : 79 ) وقوله : * ( ما أصابك من حسنة ) * يفيد العموم في جميع الحسنات ، ثم حكم على كلها بأنها من الله ، فيلزم من هاتين المقدمتين ، أعني أن الايمان حسنة ، وكل حسنة من الله ، القطع بأن الايمان من الله . فان قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد من كون الايمان من الله هو أن الله أقدره عليه وهداه إلى معرفة حسنة ، وإلى معرفة قبح ضده الذي هو الكفر ؟ قلنا : جميع الشرائع مشتركة بالنسبة إلى الايمان والكفر عندكم ، ثم إن العبد باختيار نفسه أوجد الايمان ، ولا مدخل لقدرة الله وإعانته في نفس الايمان ، فكان الايمان منقطعا عن الله في كل الوجوه ، فكان هذا مناقضا لقوله : * ( ما أصابك من حسنة فمن الله ) * فثبت بدلالة هذه الآية أن الايمان من الله ، والخصوم لا يقولون به ، فصاروا محجوجين في هذه المسألة ، ثم إذا أردنا أن نبين أن الكفر أيضا من الله . قلنا فيه وجوه : الأول : أن كل من قال : الايمان من الله قال : الكفر من الله ، فالقول بأن أحدهما من الله دون الآخر مخالف لاجماع الأمة . الثاني : أن العبد لو قدر على تحصيل الكفر فالقدرة الصالحة لايجاد الكفر إما أن تكون صالحة لايجاد الايمان أو لا تكون ، فان كانت صالحة لايجاد الايمان فحينئذ يعود القول في أن إيمان العبد منه ، وإن لم تكن صالحة لايجاد الايمان فحينئذ يكون القادر على الشيء غير قادر على ضده ، وذلك عندهم محال ، ولأن على هذا التقدير تكون القدرة موجبة للمقدور ، وذلك يمنع من كونه قادرا عليه ، فثبت أنه لما لم يكن الايمان منه وجب أن لا يكون الكفر منه . الثالث : أنه لما لم يكن العبد موجدا للايمان فبأن لا يكون موجدا للكفر أولى ، وذلك لأن المستقل بايجاد الشيء هو الذي يمكنه تحصيل مراده ، ولا نرى في الدنيا عاقلا إلا ويريد أن يكون الحاصل في قلبه هو الايمان والمعرفة والحق ، وإن أحدا من العقلاء لا يريد أن يكون الحاصل في قلبه هو